أنشطة المرصدالرئيسية

“الديمقراطية التشاركية ومسار التنزيل الترابي: أية حصيلة؟”..أرضية الندوة

تحتضن كلية العلوم القانونية والسياسية جامعة الحسن الأول سطات، يومي 07 و08 يناير الجاري، ندوة وطنية حول موضوع: “الديمقراطية التشاركية ومسار التنزيل الترابي: أية حصيلة؟”.

الندوة التي ينظمها المرصد المغربي للدراسات حول المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية، تأتي بدعم من الاتحاد الأوروبي، وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، في إطار مشروع الشباب والمجتمع المدني دينامو الديمقراطية التشاركية.

أرضية الندوة

ارتبط دستور 2011 بشروط تاريخية وسياق خاص ، حيث لم يرتبط فقط بالحاجة إلى إصلاحات، سياسية ومؤسساتية، ولكنه ارتبط أيضا بعمق مجتمعي تمثل في آثار الحراك الإقليمي الذي انطلق في هذه الفترة، وشكلت دينامية 20 فبراير امتداده المغربي.

أمام هذه الوضعية أسست الوثيقة الدستورية الجديدة لتوجه ديمقراطي تشاركي، فقد اعتبر الفصل الأول من الدستور أن من مقومات النظام الدستوري المغربي، إضافة إلى فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، الديمقراطية المواطنة والتشاركية التي فسح المجال أمام المواطنين وهيئات المجتمع المدنية للمشاركة في تدبير الشأن العام من خلال جملة من التدابير تتمثل فيما يلي:

  • دسترة وظيفة المجتمع المدني، كمساهم في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية؛
  • دعوة السلطات العمومية إلى إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها؛
  • إقرار حق المواطنات والمواطنين في تقديم مقترحات في مجال التشريع؛
  • دسترة تقنية العرائض كطلبات موجهة إلى السلطات العمومية؛
  • إقرار آليات المساهمة المواطنات والمواطنين وجمعيات المجتمع المدني في تدبير الشأن العام المحلي عبر التشاور والحوار والمقاربة التشاركية والعرائض الموجهة للجماعات الترابية؛
  • دسترة مجموعة من المؤسسات الوطنية باعتبارها هيئات للحكامة تشتغل في مجالات حقوق الانسان والجالية والمناصفة والنزاهة والشباب والأسرة والطفولة والعمل الجمعوي.

وقد تلا دسترة الديمقراطية التشاركية صدور مجموعة من القوانين سواء التنظيمية أو العادية، واتخاذ جملة من التدابير والإجراءات الرامية إلى ترسخ المشاركة المواطنة.

ونظرا لما أصبح يكتسيه البعد الترابي من أهمية في تدبير الشأن العام وتحقيق متطلبات التنمية، فقد نص الفصل 136 من الدستور، على أن التنظيم الجهوي والترابي يؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة، ارتكازا على مبادئ التدبير الحر، والتعاون والتضامن.

كما فتح الفصل 139 المجال لتدعيم المشاركة المواطنة من خلال صيغتين، الأولى وضع مجالس الجهات والجماعات الترابية الأخرى، آليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنين والمواطنات والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها، أما الثانية فعن طريق إمكانية تقديم المواطنات والمواطنين والجمعيات لعرائض الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله.

وقد صدرت العديد من النصوص القانونية المؤطرة للديمقراطية التشاركية ترابيا، نخص بالذكر هنا القوانين التنظيمية للجماعات الترابية (111.14، 112.14، 113.14) الصادرة في يوليوز 2015، والمراسيم التطبيقية (2.16.401، 2.16.402، 2.16.403) المنظمة على التوالي لشكل العريضة المودعة لدى رئيس مجلس الجهة، والعمالة أو الإقليم، والجماعة، وكذا الوثائق المرفقة بها. إلى جانب صدور المراسيم (2.16.299 – 2.16.300- 2.16.301) المتعلقة بتحديد مسطرة إعداد برنامج التنمية الجهوية، وبرنامج تنمية العمالة أو الإقليم، وبرنامج عمل الجماعة، وتتبع هذه البرامج وتحيينها وتقييمها وآليات الحوار والتشاور لإعدادها.

وبالإضافة إلى ذلك، حرصت العديد من المؤسسات والهيئات الرسمية على إصدار دلائل الهدف منها تقريب آليات الديمقراطية التشاركية من مختلف الفاعلين الترابيين؛ بهذا الخصوص أصدرت المديرية العامة للجماعات المحلية بوزارة الداخلية ضمن سلسلة دليل المنتخب لسنة 2017 دليل مساطر إحداث وتفعيل واشتغال وتتبع هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع بالجماعات، الذي يستهدف الأطراف المعنية بالهيئات الترابية المحلية للمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع من منتخبات ومنتخبين وأطر الجماعات ومكونات المجتمع المدني. كما أصدرت الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني في ماي 2017 دليل المشاركة المواطنة، تعرض في جزئه الأول لحق تقديم العرائض إلى السلطات العمومية والجماعات الترابية.

غير أن الزخم التشريعي على مستوى إنتاج آليات الديمقراطية التشاركية، لم يرافقه تراكم على مستوى الممارسة العملية، إذ تكشف بعض الدراسات والأبحاث التي أجريت خلال السنوات الخمس الأخيرة، عن تحديات جمة ترافق مسار تنزيل الديمقراطية التشاركية على المستوى الترابي، وهذه التحديات لا ترتبط أساسا بالنص القانوني، على اعتبار أن هناك وفرة على مستوى الترسانة القانونية المتعلقة بالديمقراطية التشاركية ، كما سبق الإشارة إليه أعلاه، وإنما هي مرتبطة بالأساس بالفاعلين وبالمجال في أبعاده المتعددة الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية إلخ.

نركز هنا بالأساس على ثلاث مؤشرات تتحكم بشكل قوي وفعال في مسلسل المشاركة بشكل عام، وعلى المستوى الترابي بشكل خاص: الديمقراطية، الثقة في المؤسسات والفاعلين، وسيادة القانون.

فكثيرا ما يتم الحديث عن تأثير غياب مؤسسات ديمقراطية على تعزيز مسار تنزيل الديمقراطية التشاركية، ذلك أن أية مشاركة هي مرتبطة في عمقها بمستوى الممارسة الديمقراطية السائدة ومدی عمقها ورسوخها، فغياب الديمقراطية أو ضعفها ينعكس سلبا على المشاركة ومستوياتها. فلا يمكن تطبيق المشاركة منفصلة عن الديمقراطية، فالديمقراطية  والمشاركة وجهان لعملة واحدة.

هناك أيضا معطى آخر يرتبط بأزمة الثقة، إذ إن تثبيت المشاركة رهين بتثبيت الثقة بين الفاعلين المعنيين بتطبيق مقتضيات الديمقراطية التشاركية؛ ففي ظل وجود نخب وقوى ليست في مصلحتها مأسسة المشاركة، تصبح الثقة أكبر غائب عن العلاقة بين الفاعلين في الشأن العام الترابي.

في بعض الحالات يساهم المجتمع المدني بدوره في الدفع بعجلة الديمقراطية إلى الوراء، إذ ثمة ملفات ومطالب المجتمع المدني والساكنة يتم تسويتها خارج القنوات الطبيعية للمشاركة، استنادا إلى شخصنة العلاقات، والروابط الحزبية والمصلحية، تزيد من تعميق الريع ” السياسي” و”المدني”، وبالتالي التعميق من أزمة الديمقراطية.

يعمق من ذلك كله، رغبة الفاعل السياسي في احتواء الفاعل المدني لتنمية رأسماله الرمزي ورصيده السياسي. فالفاعل السياسي يدرك جيدا خطورة وأهمية تنامي دور المجتمع المدني في تمثيل وتأطير المواطنين فيما له علاقة بالشأن المحلي، الذي يمكن أن يتحول إلى سلطة معنوية قد تحدد مركزه التمثيلي السياسي، و هذا الأمر يجعل المنتخب المحلي ومعه الأحزاب السياسية تحترس من ظهور مجتمع مدني مستقل عنها، قادر على القيام بدوره الاجتماعي الطبيعي.

وإلى جانب ما سبق، هناك أسباب أخرى مرتبطة بتغليب المصالح السياسية والفئوية الضيقة على حساب المصلحة العامة، وترسيخ ثقافة الزبونية والمحسوبية، وضعف تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب ضعف مؤهلات وإمكانات الموارد البشرية، وعدم مواكبتها بالتكوين والتأهيل، كلها عوامل تضاف إلى غيرها من المعطيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لتشكل بمجملها تحديات في مواجهة التنزيل الحقيقي والفعال للديمقراطية التشاركية.

إن هذا المسار المعقد الذي تواجهه الديمقراطية التشاركية على مستوى التنزيل يطرح العديد من الأسئلة، التي تقتضي البحث والمناقشة:

  • هل تحمل آليات الديمقراطية التشاركية أعطابها في النصوص القانونية المنشأة لها؟ وإلى أي مدى يصح القول بان هناك مسافة بين الأفق التشاركي للوثيقة الدستورية والأفق التشاركي للقوانين التنظيمية والقوانين الأخرى المتضمنة للمقتضيات التشاركية ؟
  • كيف تؤثر المصالح السياسية والرهانات الانتخابية في إفراغ الديمقراطية التشاركية من أي مضمون تشاركي حقيقي؟
  • هل يمكن تطبيق ديمقراطية تشاركية ترابية في غياب مؤسسات ديمقراطية، وعدم تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟
  • ما حدود تأثير الوضعية التنظيمية والتدبيرية والبشرية للفاعل المدني على محدودية العطاء التشاركي الترابي؟
  • ما علاقة البنى الثقافية والاجتماعية بمستوى المشاركة الترابية؟

إن بحث ومناقشة هذه الأسئلة وغيرها، سينتظم من خلال المحاور الآتية:

  • المحور الأول: الديمقراطية التشاركية : النص القانوني وأفق المشاركة؛
  • المحور الثاني: الديمقراطية التشاركية بين رهانات الفاعل السياسي وتطلعات الفاعل المدني؛
  • المحور الثالث: الديمقراطية التشاركية والمؤسسات الديمقراطية؛
  • المحور الرابع: واقع الفاعل المدني وسؤال المشاركة؛
  • المحور الخامس: التجارب المقارنة في التنزيل الترابي للديمقراطية التشاركية.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى